الجدل حول لغة الدين من منظور علماء القرن الثالث الهجري

فودا | الجمعة (10/02/2023) - - بالتعاون مع كلية أصول الدين والآداب، عقد مختبر البانتينولوجي سلسلة مناقشات إصدار الجمعة. في السلسلة الثامنة، عُقدت المناقشة في 10 فبراير 2023 في قاعة مؤتمرات FUDA، وحضرها عدد من المشاركين من المحاضرين والطلاب، بالإضافة إلى بعض الذين حضروا البث المباشر عبر البث المباشر على موقع بانتنولوجي على إنستغرام.

وكان المتحدث الدكتور لالو ترجمان أحمد؛ رئيس قسم اللغة العربية وآدابها في كلية أصول الدين والآداب، وأشرف على الندوة الدكتور عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن؛ مدير مختبر علم البانتين وأمين سر المعهد الإسلامي في بانتن. وكان الموضوع المطروح في السلسلة الثامنة “فقه اللغة الدينية في منظور علماء القرن الثالث الهجري”.”

ويروي أحمد أن الاختلافات المختلفة في الرأي بين العلماء، والتي تشكل اليوم تراث الإسلام الفكري الثري، تبلورت في مدارس فكرية يمكن إرجاعها إلى القرن الثالث الهجري. عاش عدد من العلماء من مختلف التخصصات خلال هذه الفترة. وكان من بينهم الجاحظ (ت 255 هـ)، والبخاري (ت 256)، وأبو يزيد البسطامي (ت 260)، وغيرهم.

في ذلك الوقت، إلى جانب نشاطات الترجمة المتواصلة، أصبحت العلوم “المستوردة” من اليونان عاملاً مهماً صبغ طريقة النظر إلى النصوص الدينية (القرآن والحديث). وكان ذلك بدعم من الدولة التي أعطت مكانة خاصة للمثقفين.

وقد كان للعامل الديني دور كبير في تقدم العلم في ذلك الوقت، حيث كان للعامل الديني دور كبير في تقدم العلم في ذلك الوقت، حيث كان العلماء يشجعون العلماء في تطوير العلم لأن النصوص الدينية يجب أن تفهم فهماً صحيحاً حتى يكون الدين مرشداً لتحسين نوعية حياة البشرية.

وقد حاول العقلانيون، الذين كانوا في ذلك الوقت يحصلون على منبرهم، تحسين استخدام العقل في فهم النصوص الدينية. حتى النصوص المقدسة التي كانت تعتبر مخالفة للعقل كان لا بد من تأويلها لتتماشى مع العقل.

وعلى النقيض من ذلك تماماً، تجنب أهل النص، ممثلين بعلماء أهل الحديث، إعمال العقل حتى لا يجنحوا بعيداً في فهم النص. لكن هؤلاء الأخيرين يضعفون أكثر فأكثر أمام تحدي فريق من الناس الذين عارضوا الدين منذ البداية، ويمثلهم المولدون الذين لا يقلون صخباً في آرائهم.

وقد تنازعت كل فرقة وطائفة، كما يصفها أحمد، لتنتصر كل فرقة وطائفة لحجتها. ويضيف: “الكتاب طارخ بغداد يمكن الاستفادة منها كمصدر للقراءة التي تصف الحياة الفكرية للمسلمين في ذلك الوقت وصفًا كاملًا”.”

وفي هذا السياق يمكن النظر إلى ابن قتيبة الدينَوَري (ت 276 هـ) وهو من مؤسسي مدرسة بغداد اللغوية، باعتباره شخصية استطاعت أن تضع نفسها في الوسط بين الفريقين العقلاني والنصي، كما قال أحمد. وقد استطاع أن يفسر مختلف الجدليات حول معاني الكتاب الكريم والسنة النبوية بمنهج العلوم اللغوية.

مشروعه الفكري حول إعجاز القرآن الكريم الذي يحمل مفهوم ناظم (إعجاز القرآن) الذي حظي بقبول واسع، ليس فقط في مجال علم اللغة وعلوم البلاغة التي كان يشتغل بها، بل في مختلف التخصصات الإسلامية. ثم أصبح مصطلح المجاز الذي أشاعه بعد ذلك أداة تفسيرية في مختلف التخصصات العلمية، بعد أن كان قد صنفه في السابق إلى مختلف الأساليب اللغوية. ويمكن أن يكون المجاز بمصطلح المجاز بمصطلحاته المختلفة بمثابة تفسير لمختلف الأفهام التي تبنتها جماعة أهل الحديث - وهو ينتمي إلى هذه الجماعة - وكذلك آلية للتفسير.

وردا على سؤال الحضور حول ما يمكن أن ينعكس من حياة ابن قتيبة الفكرية، قال أحمد إن هذه الشخصية كانت شخصية موسوعية. فقد درس مجموعة واسعة من التخصصات العلمية، من الفلسفة والطب والصيدلة ومجموعة من العلوم الشرعية، وبالطبع علم اللغة. ويمكن ملاحظة ذلك من خلال عدد الكتب التي ألّفها في كل من التخصصات العلمية التي تطورت في ذلك الوقت.

وتابع أحمد بن قتيبة أنه تعلم من علماء المذاهب المختلفة. فمفهوم المجاز، الذي أشاعه وطوره، تعلمه من أبي عبيدة (ت 209 هـ)، وهو شخصية مهمة في طائفة الخوارج. كما تتلمذ مباشرة على الجاحظ (ت 255 هـ) وعلى الفراء (ت 207 هـ)، وهما من كبار علماء المعتزلة، ولم يتردد في الاقتباس من آرائهما.

ونتيجة لذلك يأتي ابن قتيبة كشخصية ذات معارف متعددة التخصصات، ولكنه استطاع أن يحافظ على كنوزه الفكرية التي تأتيه من “الداخل” البحت. كما أنه كان يتمتع باستقلالية علمية، بحيث استطاع أن يضع نفسه في مدرسة جديدة (مدرسة بغداد) بين المدرستين الكبيرتين (البصرة والكوفة) في مجال علم اللغة.

وبهذه الاستقلالية العلمية استطاع أحمد بن حنبل أن يقدم فهماً معتدلاً للنصوص الدينية كما تجلت في مدرسة أهل السنة والجماعة قبل وصول أبي الحسن الأشعري (ت 324هـ) الذي يُطلق عليه الإمام الأعظم من بين مؤسسي هذه المدرسة بعدة عقود.