لطالما ارتبط شهر رمضان بالممارسات الروحانية، مثل الجوع والصلاة والراحة من مشاغل الدنيا. ومع ذلك، فإن رمضان هو أيضًا موسم للتأمل الأخلاقي، خاصةً عندما تحصد الحروب والمآسي الإنسانية الأرواح بغض النظر عن الزمان. وفي ظل تصاعد الصراع بين إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية من جهة والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة أخرى في الفترة 2025-2026، والذي يتضمن سلسلة من الغارات الجوية والرد الصاروخي وسقوط ضحايا من المدنيين والاضطرابات الإقليمية، تصبح الحاجة الملحة لإعادة قراءة الرسالة الأخلاقية لرمضان أمرًا لا مفر منه. تشير العديد من التقارير إلى أن الضربة الأمريكية الإسرائيلية المشتركة يوم السبت 28 فبراير 2026، والتي أدت إلى مقتل المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي وتسببت في سلسلة من الهجمات الانتقامية الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل والقواعد الأمريكية في الخليج.
عندما يغرق العالم في دوامة من العنف، تصبح ليلة القدر، (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ) في سورة القدر الآية 3، انقطاعًا أخلاقيًا. أي أنها ليلة هادئة من الناحية اللاهوتية، ولكن من الناحية التاريخية يمتلئ العالم بنشاز الحرب.
الصوم كتربية على التقوى: أساس أخلاقي لقراءة الأزمة من الناحية الأخلاقية
يقول الله تعالى في سورة البقرة الآية 183 “يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام ... لعلكم تتقون”. جاء في كتاب تفسير ابن كثير أن الغرض الرئيسي من الصيام هو تطهير النفس، وتضييق طريق الشهوة، وبناء ضبط النفس كأساس أخلاقي. وفي سياق الحرب تنبه هذه الآية المؤمنين إلى أن “التقوى” ليست مجرد الامتناع عن الطعام، بل هي الامتناع عن إتلاف النفس. الصوم يدرب على الحساسية الأخلاقية تجاه المعاناة. لذلك، عندما يمتلئ العالم بالمعاناة، يجب أن تزداد هذه الحساسية ولا تختفي.
في تفسير المصباح، يؤكد قريش شهاب على أن القرآن يحمل رسالة متناغمة وملائمة ومناسبة للإنسان المعاصر. بالإضافة إلى ذلك، يؤكد على أهمية ربط تعاليم الصيام بالتغيير الاجتماعي والمسؤولية العامة. ولذلك، فإن الصيام ليس طقسًا خاصًا، بل هو أخلاقيات عامة تتطلب الرعاية، بما في ذلك رعاية ضحايا النزاعات والبؤس الإنساني.
ليلة القدر: ليلة سلام في عالم مضطرب
يقول الله تعالى في سورة القدر الآيات 1-5: “إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. تلك الليلة خير من ألف شهر. في تلك الليلة تنزلت الملائكة ... تحمل كل الأمور. إنها ليلة سلام هي ليلة سلام حتى مطلع الفجر”. وفي تفسير ابن كثير تأكيد على أن السلام الذي يملأ الليلة ليس بعداً ميتافيزيقياً فحسب، بل هو رسالة معنوية بأن ليلة القدر ليلة تثمر السلام لا تدمر الحياة.
بالإضافة إلى ذلك، في سورة الدخان الآيات 3-6، تم التأكيد على أن الوحي نزل في “الليلة المباركة” التي نزلت فيها الأقدار الإلهية. ويحدد غالبية المفسرين هذه الليلة بليلة القدر، مما يعزز فكرة أن ليلة القدر هي لحظة “إعادة بناء القدر”، التي ينبغي أن تلهم إعادة البناء الأخلاقي في خضم الحرب والعنف.
عندما تلتقي ليلة القدر مع الأزمة الإنسانية العالمية
شهدت منطقة الشرق الأوسط في فبراير/شباط ومارس/آذار 2026 توترات متصاعدة، وضربات أمريكية إسرائيلية مباشرة على مواقع استراتيجية في إيران، أعقبها رد إيراني انتقامي على إسرائيل ودول الخليج. وتشير الشهادات الدولية إلى تأثيرات خطيرة على البنية التحتية المدنية وحركة المساعدات وخطر إطالة أمد الحرب الإقليمية. وتضرر ما لا يقل عن مئات إلى آلاف المدنيين بشكل مباشر أو غير مباشر. توضح هذه الأزمة كيف أن قيمة “السلام حتى الفجر” لم يتم استيعابها في السياسة السياسية العالمية.
وتظهر التقارير الواردة من غزة كيف يصوم الناس تحت الأنقاض ويصلون في المساجد المدمرة ويفطرون على القليل من الطعام. لقد دُمرت العديد من المساجد، ولا يُسمع الأذان، وتؤدى التراويح في خيام مؤقتة. تعلمنا هذه الظاهرة أن الثبات الروحي لا يزال حيًا، لكنها تكشف أيضًا عن مفارقة سوداء: لقد فشل العالم في الحفاظ على الكرامة الإنسانية التي يجب أن تكون في قلب رمضان.
التأويل الأخلاقي: إعادة قراءة شهر رمضان وليلة القدر
استنادًا إلى الواقع أعلاه، يقدم فضل الرحمن خطوتين تأويليتين. أولاً، العودة إلى سياق الوحي لإيجاد مبادئ أخلاقية عالمية. ثانيًا، تطبيق تلك المبادئ على الواقع المعاصر. من خلال هذا المنهج التأويلي الأخلاقي، يجب ترجمة رسالة رمضان في التقوى والعدالة والسلام إلى نقد للحرب والعدوان والدمار الأهلي.
بالإضافة إلى أن الصوم يشكل زهدًا أخلاقيًا لكبح جماح النفس، ومحو قشرة الأنا، وغسل الكبرياء. إذا عاشت الدولة والجهات السياسية الفاعلة هذه القيمة، ستحدث أربعة تغييرات. أولاً، لا يتم تنفيذ هجمات عشوائية. ثانيًا، لا يتم تدمير البنية التحتية المدنية. ثالثًا، يتم إعطاء الأولوية للدبلوماسية. وأخيرًا، حماية الأرواح تسبق أي مصالح استراتيجية. من هذا الفهم، فإن معنى ليلة القدر هو ليلة السلام. وعلى النقيض من ذلك، فإن الحرب الحديثة هي شبكة تكسر السلام.
وهكذا، فإن ليلة القدر هي ليلة الوحي، وليلة القدر، وليلة السلام. ومع ذلك، لن يحل السلام أبدًا إذا تجاهل البشر الرسالة الأخلاقية لرمضان وسمحوا للحرب أن تلتهم الحضارة. إن إعادة قراءة معنى صيام رمضان يعني تحويل الجوع إلى تعاطف، والعبادة إلى دعوة إنسانية، وليلة القدر إلى أجندة أخلاقية عالمية. عندها فقط سيشرق الفجر الموعود حقًا، ليس فقط في السماء، بل في التاريخ. الله أكبر.

