أهمية الالتزام بمدونة أخلاقيات المحاضرين كركيزة للنزاهة الجامعية

مسروخين محسن

(نائب العميد للشؤون الأكاديمية والمؤسسية بكلية أصول الدين وآداب السلطان مولانا حسن الدين بانتن)

إن الامتثال لميثاق أخلاقيات المحاضر ليس مجرد التزام إداري، بل هو أساس أخلاقي يحدد اتجاه التعليم العالي وجودته. وفي عصر الإفصاح عن المعلومات والمنافسة العالمية، لا يُطلب من الجامعات أن تتفوق في البحث والابتكار فحسب، بل أن تكون قوية في النزاهة أيضاً. وهنا يلعب ميثاق أخلاقيات المحاضر دورًا محوريًا. فبدون الالتزام الثابت بمدونة الأخلاقيات يمكن أن تفقد حتى الجودة الأكاديمية العالية شرعيتها الأخلاقية.

            من الناحية المعيارية، تنظم مدونة أخلاقيات المحاضرين معايير السلوك المهني في تنفيذ ثلاثية التعليم العالي؛ التعليم والبحث وخدمة المجتمع. ولكن، أكثر من ذلك، فإن مدونة الأخلاقيات هي البوصلة الأخلاقية التي تحافظ على علاقات السلطة بين المحاضرين والطلاب من إساءة استخدامها. يتمتع المحاضرون بسلطة في التقييم والتوجيه الأكاديمي والتوصيات المهنية للطلاب. ويتطلب هذا الاختلال في المنصب مسؤولية أخلاقية عالية. وبدون الالتزام بمدونة أخلاقيات المهنة فإن العلاقة بين المحاضرين والطلاب قد تصبح مجالاً لإساءة استخدام السلطة.

            ومن الأمثلة على الحالات التي كثيراً ما تظهر في مختلف الجامعات ممارسة الانتحال في المنشورات العلمية. فالمحاضر الذي يثبت قيامه بنسخ أعمال الآخرين دون إسنادها بشكل كافٍ لا ينتهك الأعراف الأكاديمية فحسب، بل يخون القيم الأساسية للأمانة العلمية. ولا يتوقف التأثير على الفرد المعني. فالمؤسسة التي ينتمي إليها المحاضر تتضرر أيضًا. وقد يفقد الطلاب الذين يطلعون على القضية ثقتهم في النظام الأكاديمي الذي من المفترض أن يحافظ على الأصالة والنزاهة. وعلى المدى الطويل، ستؤدي ثقافة التساهل تجاه مثل هذه الانتهاكات إلى الإضرار بمنظومة البحث العلمي وإضعاف القدرة التنافسية للجامعات.

            وهناك حالة أخرى لا تقل خطورة وهي التمييز والتحرش ضد الطلاب. فقد تم الكشف في بعض الأخبار الوطنية عن حالة محاضر ارتكب تحرشاً جنسياً مستغلاً منصبه الأكاديمي. تُظهر مثل هذه الحوادث مدى أهمية الالتزام بمدونة أخلاقيات المهنة التي تتطلب احترام كرامة وحقوق كل فرد. عندما ينتهك المحاضرون الحدود المهنية، فإن التأثير لا يقتصر على الصدمة النفسية للضحية فحسب، بل يتعدى ذلك إلى فقدان الأمن في البيئة الجامعية. ويتحول الحرم الجامعي الذي يجب أن يكون فضاءً فكريًا آمنًا إلى فضاء مخيف لبعض الطلاب.

            وبالإضافة إلى ذلك، يمكن أن تحدث الانتهاكات الأخلاقية أيضاً في شكل أحكام غير موضوعية. على سبيل المثال، المحاضرون الذين يمنحون الدرجات على أساس القرب الشخصي أو الانتماء التنظيمي أو غير ذلك من التفضيلات الذاتية. تقوض مثل هذه الممارسات مبدأ الجدارة وتؤدي إلى الظلم. وسيفقد الطلاب الذين يشعرون بعدم الإنصاف في المعاملة الحافز للتعلم، بل وقد يفقدون الثقة في النظام التعليمي. وفي النهاية، يتم التشكيك أيضاً في جودة الخريجين.

            من الواضح أن القول بأن الانتهاكات الأخلاقية هي ‘أمور خاصة” بالمحاضرين هو قول خاطئ. فمهنة المحاضر هي مهنة عامة لها تأثير واسع النطاق على بناء شخصية الجيل الشاب. وترتبط تصرفات المحاضرين، سواء داخل الصفوف الدراسية أو خارجها فيما يتعلق بأدوارهم المهنية، بالمؤسسة والعالم الأكاديمي بشكل عام. ولذلك، فإن الالتزام بمدونة الأخلاقيات ليس خياراً فردياً، بل هو التزام جماعي ملازم للمهنة.

            وعلاوة على ذلك، فإن الالتزام بمدونة الأخلاقيات له آثار استراتيجية على سمعة المؤسسة. ففي العصر الرقمي، يمكن لحالة واحدة من سوء السلوك الأخلاقي أن تنتشر بسرعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي والأخبار على الإنترنت. ويمكن أن تتداعى السمعة التي بُنيت على مدى سنوات عديدة في غضون أيام فقط. ثقة الجمهور هي رأس المال الرئيسي للتعليم العالي. فبدون الثقة، يمكن أن يتراجع التعاون الدولي وتمويل الأبحاث واهتمام الطلاب المحتملين بشكل كبير. وعلى هذا النحو، فإن الالتزام بمدونة قواعد السلوك ليس مسألة أخلاقية فحسب، بل هو استثمار طويل الأجل في السمعة.

            ومع ذلك، من المهم أن ندرك أن الامتثال لن ينمو تلقائيًا لمجرد وجود وثيقة مدونة سلوك. ولن تكون التنشئة الاجتماعية الرسمية دون استيعاب القيم الداخلية فعالة. فالجامعات بحاجة إلى بناء ثقافة النزاهة من خلال التدريب المستمر على الأخلاقيات المهنية، ونظام إشرافي شفاف، وآلية إبلاغ آمنة للضحايا أو المبلغين عن المخالفات. كما تعد حماية المبلغين عن المخالفات عنصراً مهماً أيضاً حتى تنمو ثقافة التذكير المتبادل دون خوف.

            ومن ناحية أخرى، فإن الإنفاذ الصارم والمتسق للعقوبات أمر أساسي. فعندما تُترك المخالفات دون عواقب واضحة، تكون الرسالة هي أن مدونة قواعد السلوك مجرد رمز. وعلى العكس من ذلك، فإن الإنفاذ العادل للقواعد من شأنه أن يعزز ثقافة الامتثال ويوفر تأثيراً رادعاً. كما أن الشفافية في عملية التعامل مع القضايا، مع الحفاظ على حقوق جميع الأطراف، ستزيد من ثقة المجتمع الأكاديمي في النظام.

            وفي نهاية المطاف، فإن الالتزام بمدونة أخلاقيات المحاضر هو انعكاس لالتزام الجامعة بالقيم النبيلة للتعليم. فالتعليم العالي ليس مجرد نقل للمعرفة، بل هو أيضاً بناء للشخصية. ويقع على عاتق المحاضرين بوصفهم شخصيات فكرية مسؤولية أخلاقية بأن يكونوا قدوة في النزاهة والأمانة والمهنية. وبدون الالتزام بمدونة الأخلاقيات، فإن التعليم العالي يخاطر بفقدان معناه واتجاهه.

            لذلك، أرى أن تحسين الامتثال لميثاق أخلاقيات المحاضرين يجب أن يكون أولوية استراتيجية لكل جامعة. ليس بسبب الخوف من العقوبات، ولكن بسبب إدراك أن النزاهة هي روح العالم الأكاديمي. فإذا انهارت النزاهة انهارت الثقة. وإذا فُقدت الثقة الأخلاقية، يفقد التعليم أساسه الرئيسي.

اترك رد