
هذا المقال هو خلاصة تأملاتي خلال تسعة أيام قضيتها في رحاب الأرض المقدسة. فعلى الرغم من أن الأوضاع في الحرمين الشريفين، المسجد الحرام والمسجد النبوي، تبدو مستقرة وآمنة، فإن مشاعر القلق لا تزال تخيّم على النفوس.
ماذا لو ارتفعت أسعار وقود الطائرات، فارتفعت أسعار تذاكر السفر إلى مستويات باهظة؟ وماذا لو بدأت الصواريخ تحلق في سماء شبه الجزيرة العربية، مما تسبب في اضطراب الرحلات الجوية المتجهة إلى الأراضي المقدسة؟ وماذا لو حدثت أمور أخرى تزيد من قلق المسلمين وتثقل كاهلهم؟
نعم، تشهد المنطقة في الآونة الأخيرة توترات وصراعات بين طرفين يرتبطان جغرافيًا وتاريخيًا بجوار الأرض المقدسة، وهما الحوثيون والمملكة العربية السعودية. وهذا الصراع ليس مجرد خلاف بين قوتين في شبه الجزيرة العربية؛ فخلف هذا التوتر تقف آمال ملايين المسلمين الذين تتعلق قلوبهم بأمن الحرمين الشريفين واستقرارهما.
إن الذين يؤدون مناسكهم في الأراضي المقدسة، أو يخططون للسفر إليها في الأيام المقبلة، لا يريدون سوى رحلة مطمئنة، ورحلات جوية آمنة، وفرصة لأداء عباداتهم بعيدًا عن هواجس الخوف والقلق.
فكلما اشتد الصراع في هذه المنطقة، تجددت المخاوف بشأن سلامة الحجاج والمعتمرين، واستقرار المسارات الجوية وطرق السفر. ومن هنا، فإن النداء القائل: «تصالحوا يا الحوثيين والسعودية!» ليس انحيازًا إلى طرف على حساب آخر، ولا اصطفافًا سياسيًا مع جهة ضد جهة.
إنه صوت الإنسانية، وصوت الأخوة، وصوت أمة تتطلع إلى ألا تظل الخلافات السياسية عبئًا دائمًا على حياة الناس ومعيشتهم. قد تكون الأسلحة لغةً من لغات القوة، لكن السلام ينبغي أن يكون لغة الحكمة.
ولم يكن اليمن يومًا بلدًا هامشيًا في تاريخ العرب وحضارتهم؛ فهو أرض ذات جذور حضارية عريقة، وتقاليد علمية راسخة، وشبكات تجارية قديمة، وتراث ثقافي ممتد عبر القرون. وفي الذاكرة التاريخية العربية، ارتبط اليمن بالرخاء والحكمة وأصالة أهله وصلابتهم.
بل إن أحاديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم أشارت إلى فضائل أهل اليمن. فعندما قدم أهل اليمن، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أتاكم أهل اليمن، هم أرق أفئدة وألين قلوبًا». وقد ورد هذا المعنى في الصحيحين، البخاري ومسلم، بألفاظ متقاربة.
وتتجلى الصلة الرمزية بين اليمن والبيت الحرام في اسم أحد أركان الكعبة المشرفة، وهو الركن اليماني. ويقع هذا الركن قبل الحجر الأسود في مسار الطواف حول الكعبة عكس اتجاه عقارب الساعة.
وقد سُمي بهذا الاسم لوقوعه في الجهة المتجهة نحو اليمن، وفقًا للتسمية الجغرافية العربية المتوارثة. وبالنسبة للمعتمرين والحجاج، فإن الركن اليماني ليس مجرد جزء من مبنى مقدس، بل هو أيضًا شاهد على أن الاتجاهات الجغرافية قد تخزن في طياتها آثار التاريخ وروابط الحضارة.
وفي حديث صحيح رواه البخاري ومسلم، نقل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يستلم من أركان الكعبة إلا الركن اليماني والحجر الأسود. وكان يدعو بينهما بقوله:
«ربنا، أعطنا في الدنيا خيرًا، وفي الآخرة خيرًا، وقنا عذاب النار».
ومعنى الدعاء: يا ربنا، ارزقنا الخير في الدنيا والخير في الآخرة، وقنا عذاب النار. وهو دعاء ورد في الآية 201 من سورة البقرة.
وتلمس الركن اليماني سنة لمن تيسر له ذلك، دون إيذاء الآخرين أو التزاحم معهم. أما تقبيله أو الإشارة إليه باليد عند تعذر لمسه، فلا يثبت فيهما استحباب خاص على النحو الوارد في تلمس الحجر الأسود.
ولا يقتصر وجود اسم اليمن في الذاكرة العربية على الأماكن المقدسة فحسب، بل يمتد إلى فضاء السماء من خلال نجم «سهيل اليماني»، وهو الاسم العربي للنجم المعروف فلكيًا باسم كانوبوس (Canopus). ويُعد هذا النجم من أشد النجوم لمعانًا في سماء الليل، وقد احتل مكانة مهمة في تقاليد العرب في رصد النجوم والاستدلال بها.
وقد ارتبط ظهوره من جهة الجنوب باليمن، كما استُدل به في بعض مناطق شبه الجزيرة العربية على تغير الفصول وتراجع شدة الحرارة. وفي المخيلة الثقافية المحلية، بدا سهيل وكأنه يحمل بشائر بزوال الأيام العصيبة وبدء أوقات أكثر اعتدالًا.
يا له من أمر جميل أن نقرأ في هذه الرسالة السماوية حكمةً ترشد الإنسان على الأرض!
فكما يشير ظهور سهيل إلى الانتقال من فصل إلى آخر، ينبغي أن تصل الصراعات أيضًا إلى نهايتها، وأن تجد طريقًا إلى الحل. فلا تدعوا اسم اليمن، المرتبط بركن من أركان الكعبة وبنجم تتطلع إليه العيون، محاطًا بمزيد من المعاناة والآلام.
يا السعودية ويا الحوثيين، أوقفوا دوامة العداء، وافتحوا أبواب الحوار، واحموا المدنيين، واجعلوا مستقبل الأجيال أولوية لا يجوز التفريط فيها. فقد طال أمد القلق الذي تعيشه أجيال لم تعرف من الصراع إلا الخوف والحرمان.
إن عظمة الأمم لا تُقاس بطول الحروب التي تخوضها، بل بشجاعتها في وضع حد لها، وقدرتها على اختيار السلام عندما يكون استمرار العداء طريقًا إلى مزيد من الخسائر.
فليصل ضيوف الرحمن إلى الأراضي المقدسة في أمان وسلام، وليستعد اليمن عافيته، وليكن سماء شبه الجزيرة العربية فضاءً للأمل والسكينة، لا مسرحًا للصواريخ وظلال الحروب.
تصالحوا يا الحوثيين والسعودية! فالحرمين الشريفين هما قبلة قلوب المسلمين، واليمن جزء أصيل من ذاكرة العرب وحضارتهم، والسلام هو الأمل الذي يستحقه الجميع.
بقلم: محمد عصام الساحا
فليتصالح الحوثيون والسعوديون!
هذا المقال هو انعكاس لتجربة استمرت 9 (تسعة) أيام في الأراضي المقدسة. ورغم أن الأوضاع في المسجدين الشريفين (المسجد الحرام والمسجد النبوي) كانت مواتية، إلا أن الشعور بالقلق ظل يخيم على المكان.
ماذا لو ارتفع سعر وقود الطائرات، مما أدى إلى ارتفاع أسعار تذاكر الطيران بشكل كبير؟ وماذا لو كانت الصواريخ الموجهة تتطاير في سماء شبه الجزيرة العربية، مما يعرقل الرحلات الجوية المتجهة إلى الأراضي المقدسة؟ وما إلى ذلك.
نعم، يشهد الوقت الحالي صراعاً بين شعبين قريبين جداً من الأراضي المقدسة. وهو بالتحديد الصراع بين الحوثيين والمملكة العربية السعودية. وهذا الصراع ليس مجرد نزاع بين قوتين في شبه الجزيرة العربية. فخلف هذه التوترات، هناك ملايين المسلمين الذين يعلقون آمالهم على أمن الأراضي المقدسة.
من يقومون بأداء فريضة الحج أو يخططون لأدائها قريبًا في الأراضي المقدسة، يرغبون بالتأكيد في رحلة هادئة، ورحلة جوية آمنة، وفرصة لأداء الفريضة دون أن يخيم عليها القلق.
كل تصعيد للصراع في تلك المنطقة يثير القلق، سواءً فيما يتعلق بسلامة المسافرين أو باستقرار خطوط الطيران والسفر. ولذلك، فإن الدعوة إلى “السلام بين الحوثيين والسعوديين!!” لا تعني الانحياز إلى أي من الطرفين.
هذا هو صوت الإنسانية، وصوت الأخوة، وصوت الشعب الذي يتوق إلى ألا تظل الخلافات السياسية تثقل كاهل حياة المجتمع. قد تكون الأسلحة لغة السلطة، لكن السلام يجب أن يكون لغة الحكمة.
اليمن في حد ذاته ليس بلداً هامشياً في تاريخ الأمة العربية. فهو يتمتع بجذور حضارية عريقة، وتقاليد علمية، وشبكات تجارية، وتراث ثقافي عريق. وفي الذاكرة التاريخية العربية، غالباً ما يُربط اليمن بالازدهار والحكمة وثبات شعبه.
بل إن حديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم يشير إلى فضائل أهل اليمن. وعندما جاء أهل اليمن، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “لقد جاءكم أهل اليمن، إنهم أرق القلوب وألطف المشاعر.” (رواه البخاري ومسلم، بنصوص مختلفة).
كما أن القرب الرمزي لليمن من الأراضي المقدسة يتجسد في اسم أحد أركان الكعبة: الركن اليمني. ويقع هذا الركن قبل الحجر الأسود عند الطواف حول الكعبة في اتجاه عكس عقارب الساعة.
وقد سُمي بهذا الاسم لأنه يواجه اتجاه اليمن وفقًا لتقاليد التسمية الجغرافية العربية. وبالنسبة للمصلين، فإن «ركن يماني» ليس مجرد جزء من المبنى المقدس، بل هو تذكير بأن اتجاهات الرياح يمكن أن تحمل آثارًا تاريخية وروابط حضارية.
في حديث صحيح رواه البخاري ومسلم، روى عبد الله بن عمر أن النبي لم يمسح زاويتين من الكعبة سوى الركن اليماني والحجر الأسود. وبين هذين الركنين، كان يتلو الدعاء: “ربنا أعطنا في الدنيا خيراً وفي الآخرة خيراً وقيّننا عذاب النار‘
معناه: “يا ربنا، أعطنا الخير في الدنيا والخير في الآخرة، واحمنا من عذاب النار.” (سورة البقرة: 201).
يُعد لمس الركن اليماني من السنة لمن يستطيع ذلك، دون إيذاء الآخرين أو التزاحم معهم. ولا يوجد نص خاص بتقبيله أو رفع اليد نحوه في حالة عدم التمكن من لمسه.
كما يتألق اسم «اليمن» في السماء من خلال «سهيل اليماني»، وهو الاسم العربي لنجم كانوبوس. ويحتل هذا النجم شديد السطوع مكانة مهمة في تقاليد رصد السماء لدى العرب.
ويرتبط ظهوره من الجنوب باليمن، كما أنه يُعد مؤشراً على تغير الفصول وتراجع الحرارة في عدد من مناطق شبه الجزيرة العربية. وفي الثقافة المحلية، يُعتبر سهيل بمثابة مبشر بأن الأوقات الصعبة ستنقضي وستحل البرودة.
كم سيكون جميلاً لو فُهمت رسالة السماء تلك على أنها نصيحة للبشر على الأرض.
وكما أن ظهور سهيل يُشير إلى انتقال الفصول، فإن الصراع أيضًا يجب أن يكون له حدود ومخرج. فلا تدع اسم «اليمن» المرتبط بأركان الكعبة وتلك النجمة التي يُشتاق إليها، أن يُحيط به المعاناة.
على السعودية والحوثيين أن يوقفا دوامة العداء. وأن يفتحا باب الحوار، ويحميا المدنيين، ويضعا مستقبل الأجيال التي عاشت طويلاً في خوف في مقدمة أولوياتهم. فمجد الأمة لا يقاس بطول مدة الصراع، بل بشجاعة إنهاءه.
فليتسنى للحجاج الوصول إلى الأراضي المقدسة بسلام، وليتسنى لليمن أن يتعافى، وليتسنى للسماء العربية أن تعود لتكون فضاءً للأمل، لا ظلالاً للحرب.
م. إيشوم السها
المنشور تصالحوا يا الحوثيين والسعودية! نُشر لأول مرة على الروحانية، الفكر، الاحتراف.

